ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )
18
رحلات في فارس
إلى الوفاة . كل هذا أعرفه من تجاربي الخاصة ، و دفعت ثمنه غاليا حيث إني وقعت فريسة المرض جراء هذا الجو المؤذي لأني لم أغادر المنطقة قبل شهر مايو / أيار ، لذا أصبت بوعكة صحية منعتني من الحركة فترة طويلة . يلجأ الناس إلى الوديان و الجبال و غابات أشجار النخيل ، غير أن هذه الغابات لا تعتبر صحية جدا . طقس فارس الحار غير صحي ، إذ أنه محفوف بالرطوبة و النداوة ، كما هو الحال على طول بحر قزوين ، و على وجه الخصوص في منطقة Comisena القديمة التي يدعونها " مازندران " الشبيهة بالمناخ الأوروربي . الحقيقة أن هذا الجزء من البلاد جيد المناخ من شهر أكتوبر / تشرين الأول و حتى مايو / أيار . كنت هناك في فبراير / شباط و لقد سحرت بالجو آنذاك ، حين تصبح البلاد كلها مجرد حديقة ممتدة ، أو جنة كاملة الأوصاف ، كما يدعوها الفرس . تبدو الدروب و الطرقات العامة مثل ممرات حديقة تكتنفها أشجار البرتقال ، و تحف بها من الجانبين رياض خلابة و حدائق الزهور . رأيت هناك فاكهة ممتازة عظيمة الشبه بفاكهتنا ، لذيذة المذاق و النكهة كأي فاكهة في أوروبا . النبيذ جيد و متوفر بوفرة ، و الطرائد كذلك خاصة الخترير البري حيث لا يوجد أفضل منه في العالم بأسره . لكن بالنظر إلى ملامح و لون بشرة السكان ، يمكنني الإدراك بسهولة ، على أن الطقس هو من أسوأ ما يكون ، فوجوه الناس شاحبة و أكثر اصفرارا و نقصا في الرونق ، و أعظم ضعفا و سقما من أي مكان آخر . أصبحت منطقة " مازندران " إلى حد ما صحراء بسبب سوء الأحوال الجوية قبل عهد عباس العظيم ، إلا أن ذلك الأمير ، الغازي القوي و السياسي الكبير ، نقل أعدادا هائلة من الأرمن و جورجيا كي يفرغ تلك البلاد من سكانها ، إذ كان الأتراك يأتون كل سنة و يقيمون الخيام و يشنون الحروب ضدهم ، و إلى حيث اعتقد أن التربة أفضل و أهم ، و رأى من بين أشياء أخرى أن دود القز في تلك المناطق يربى بلطف ليبلغ الكمال . أشارت عليه أمه ، التي كانت من مازندران ، و بذلك تكون بلده الأم و أنجبت من أنجبته ، أن يعيد تأهيل المنطقة التي شهدت مسقط رأسه .